دور المدرسة في الحفاظ على اللغة الفصحى

معين رفيق

مشرف اللغة العربية- تربية جنين

(أهمية اللغة )

اللغة؛ لغة أيّ قوم، ليست مجرد وسيلة للتعبير أو الاتصال والتواصل فحسب، بل هي- إلى جانب ذلك- الوعاء الذي يصب- فيه ومن خلاله- مضمون التطور المعرفي، وينجز بواسطته مشروع النهوض  الحضاري، فاللغة  تعني الشكل والمضمون، والجوهر والمظهر في آنٍ واحد، ومن يظنّ غير ذلك فإنّه ينظر إلى سطح الأشياء بلا تعمّق.                                                                   

ومن أجل ذلك وجدنا الآخرين ينحازون إلى لغتهم الأمّ، ويبدون أشد الحرص على التكلّم بها- حتى وإن هم أتقنوا غيرها- ففي إنجلترا وفي فرنسا يحرص كل مسؤول في هاتين الدولتين على إتقان لغته، لأن الخطأ في جملة منها يوقع صاحبه في الحرج، ويتعرض لسهام النقد والتشهير من قبل وسائل الإعلام المختلفة. لكنّ حال اللغة لدينا مختلف جدّا, فقد انحصرت أدوار اللغة الفصحى وتراجعت، لتحل محلّها مئات من  العاميات في الأقطار العربية، بل أن العربية نفسها – في مستوييها الفصيح والعامّيّ– باتت في خطر داهم كما هو حاصل في بعض دول الخليج العربي، حدث ذلك بسبب العمالة  الأجنبية الكثيرة الوافدة إلى هذه الدول, فصار يندر أن تجد أحدا ينطق بالعربية في شوارعها، كما أن بعض المؤسسات التعليمية الأجنبية هناك تقوم بتعليم التاريخ الإسلامي، والعلوم الإسلامية باللغة الأجنبية! وربما يعود ذلك إلى العقدة التي أشار إليها ابن خلدون: "إنّ المغلوب مولع بتقليد الغالب"؟!

 (خطورة العاميّات )

ويكفي اللغة العربية فخرا- على باقي لغات العالم-  أنها اللغة الوحيدة التي لم ينقطع ماضيها عن حاضرها ستة عشر قرنا، فما يزال العربي اليوم يستطيع بالعربية أن يقرأ تراث الأمة الممتدّ من الجاهليّة إلى يومنا هذا، فإذا كنت متمكّناً من استعمال الفصحى، فهذا يعني أنك ما تزال قادرا على فهم تاريخك وتراثك، وممتلكاً لفرص التواصل معهما، فتاريخنا وماضينا مكتوبان بهذه اللغة، فإذا هي غيضت أو تلاشت، واصطنعت العامية بديلا لها،  لم تعد لدينا القدرة لا على فهم الماضي ولا الحاضر، ومن لا ماضي له لا حاضر عنده، ومن لا حاضر عنده  لا مستقبل لديه، وقد يصل الأمر إلى جفوة بيننا وبين قرآننا الكريم، وإحساس بالاغتراب عن آياته ومعانيه.

وخطورة الدعوة إلى العامية واستبدالها بالفصحى، لا تقف عند الانقطاع عن تراثنا الحضاري المشترك، وفك الارتباط بيننا وبين ماضينا، بل تحمل معها هاجسا مفزعا، حول الخطر الذي يتهدّد مستقبل وحدة الأمّة، حين تفقد الوعاء الثقافي الذي يجمع أشتاتها.

و في دولة كمصر- على سبيل المثال- ثمة لهجات متعدّدة، منها: الصعيدية، والقاهرية، والإسكندريّة، فإذا صار الناس يكتبون بهذه اللهجات المختلفة، فستصبح مع الوقت لغات مستقلة عن بعضها، وفي هذا ما فيه من مخاطر تقسيم البلد الواحد، وما مثال اللاتينية عنّا ببعيد، فقد أصبحت لهجات شتى أفضت إلى قوميات مختلفة شتى: فرنسية وإيطالية وإسبانية وبرتغالية، بعد أن كانت لغة واحدة لأمّة واحدة.

 (دور المدرسة)

وتلعب المدرسة في عصرنا هذا دورا أساسيا  في التأثير على لغة طلابنا وعلى ألفاظهم ، فهي مع   البيت والشارع، ووسائل الإعلام المختلفة، من أخطر ثلاثة عوامل مؤثرة على اللغة الفصيحة سلبا أو إيجابا.

أمّا البيت والشارع فمن الصعب التعويل عليهما؛ إذ يكاد يختفي التكلّم باللغة الفصحى فيهما، وإنّما التعويل على المدارس، التي عليها أكثر من أيّ وقت مضى التركيز على تحسين نوعية التعليم وجودته، وعدم الاكتفاء بالكمّ وكثرته، وبالتعليم والثقافة ستكون الغلبة للفصحى، والمعلمون- اليوم- هم الأمناء على رسالة اللغة وعلى إيصالها- بصفائها وجمالياتها- إلى الأجيال اللاحقة؛ وذلك لأنهم يشكلون قدوات لطلابهم يحتذون بها، ويقلدونها ويحاكونها، فإذا كانت هذه  القدوات فصيحة التعبير، جميلة المنطق،  كان ذلك أدعى إلى التأثير في تلامذتهم، وإيقاظ حب محاكاة الفصيح والجيد في نفوسهم.

ودع عنك ما يقال عن صعوبة لغتنا الفصحى؛ فليس هناك لغة صعبة إذا لم يكن نقص في كفايات المعلّمين، ووجد المعلم المتمكّنٌ، المالك لأدواته، الشغوف بلغته، وأمّا إذا كان زاد المعلم قليلا فكيف يبلّغكَ المحلّ؟  ثمّ إنّه ليس مطلوبا من المعلم أن يتقعر في لغته أمام طلابه, ولا أن يأتيهم بكل غريب من المفردات والتراكيب، وإنما يُطلب منه الشروع في مغادرة  مربع العامية المحكية-التي هي لغة الشارع-  إلى مربع لغة أسمى وأجمل، يجتهد المعلم خلالها أن يتكلّم  بالبديل الفصيح الذي يتقنه، وله أن يتحدث- في البداية- بالعربية الوسطى- التي لا هي بالفصحى الخالصة، ولا هي بالعامية الخالصة، ولكنها مزيج منهما معا- فيتدرج عبر هذا المستوى من التحدّث بالعربية الوسطى، ويتقدم نحو اللغة الفصحى في حديثه وأمثلته، وفي معجمه وأبنيته.

وحتى يكون الحديث عمليّا أكثر، أكتفي  بمثال واحد-يسمح به المقام- على طريقة تدرج المعلم في الحديث بالفصحى في غرفة الصف، فبدل أن يقول المعلم لطلابه بالعامية المحكية: (مين يجاوب هاض السؤال؟ )، عليه أن يقول بالفصحى الميسرة والسهلة: (من يجيب على هذا السؤال؟)، وهذا التعديل المصوغ بلغة صحيحة هو في متناول فهم جميع الطلاب، فهل نحسم أمرنا، ونبادر بالصعود تدريجيا بلهجة حديثنا إلى العربية الفصحى؟ واضعين نصب أعيننا المخاطر التي تتهدّد لغتنا، وواثقين أنّ مسيرة الألف قدم تبدأ بخطوة واحدة؟!

 

      العودة للصفحة الرئيسة*********************************************************