اثنان جُرمُهُما أكبرُ من غيرِهما في حقّ العربيّة

معين رفيق

مشرف مبحث اللغة العربية- تربية جنين

 

كنت أشاهد التلفاز مع صديق يهتمّ باللغة العربية، فلمّا سمعَ المتحدِّثين -الّذين عُرِّفوا في البرنامج بأنهم مُفكِّرون- ذُهِل من كثرةَ أخطائهم اللغوية التي لا تُغتفر، ولا تُحتمل، وقال لي بحُزن: ألا ترى أنّ ثمّةَ انهياراً للّغة العربية الفصيحة من المحيط إلى الخليج؟ فقلتُ بأسف: بلى، وهذه مصيبة لا يُستهان بآثارها الكارثيّة، لو كنّا نعلم.

حقّاً، لم تعانِ اللغةُ العربيّةُ طوال تاريخها- بما في ذلك ما عُرِف بعصور الانحطاط- مثلَ هذا الانهيار الذي تشهده الآن، والذي تُرَى آثارُ تداعياته المؤلمة في كلّ محفل ومشهد، في جمهور العامّة من النّاس- الذي يستقلّ بلهجته العامّية التي تتسع الهوّة بينها وبين فصيح الكلام- وفي أصحاب النخب من ساسة، ومثقفين، ومفكرين، وأصحاب قرار.. الذين لا يكادون ينطقون اللغة السليمة إلاّ قليلا، فاللحنُ هو الغالبُ على أحاديثهم دون حرج أو خجل، بل قد يَعمَدُ أحدُهم إلى التباهي والتقعّر مستعرضاً ما في حوزته من مفردات واصطلاحات أجنبيّة، يلوكها في فمه بلكنةٍ تكاد "تُزايدُ" على لكنةِ أصحابها الأصليين من الأجانب، أمّا العربية، فلا تفاخرَ بها، ولا بواكي لها!  

وأكثرُ مَن يُسيءُ إلى اللغة العربية- اليوم- اثنان، هما: معلمٌ للّغةِ العربيةِ، جاهلٌ بلغة تخصّصِه، يحكي لِطلاّبِه عنها ولا يستطيع أن يحكيها، وخطيبٌ على منبر رسول الله- ص-، مُشوِّهٌ للغةِ دينِه، فإذا خطب آذى المستمعين من كثرة أخطائه التي لا تُحتمَلُ ولا تُغتَفَر، فيقول مستمعوه في سرِّهم: ليته يصمت؛ لأنّه لم يقل خيرا.

ولا أقصد-هنا- التعميم على جميع المعلمين والخطباء؛ إذ فيهم قِلّةٌ أَثْرَتْ وأَثَّرَتْ، وإنّما تتجلّى تلكَ الإساءة فقط حين يكون هذان الصنفان غيرَ مُتمكِّنَين من لغتِهما، فيكثران الخطأَ والخطلَ؛ إذا هما قَرَأا، أَو درَّسا، أو حدَّثا أو خَطَبا.. وجُرْمُ هذين- في حقِّ اللغة العربيّة- أكبر من جُرم غيرهما؛ إذ يُفترَض بهما أن يكونا الأوفياءَ عليها، الحريصين على سلامتها، فبالنسبة للمعلّم تُمثّلُ اللغةُ الأمانةَ التي أَخَذَ- هو- على عاتقه إيصالها للأجيال الناشئة، فهل أدّى الأمانة- على وجهها- مَنْ خان تلك الأمانةَ وقدّمها مُشوَّهةً مَغلوطةً ملحونةً؟

وبالنسبة لخطيب الجمعة؛ فالعربيّةُ لغةُ القرآن الكريم التي يُفترَض به إتقانُها، والمنافحةَ عنها، بل لقد أجمع علماء أصول الفقه في الدّين الإسلامي على أَنَّ إتقان اللغة العربيّة- علماً بها ونُطقاً- شَرطٌ من شروط الاجتهاد والإفتاء، فكيف يتصدَّر للفُتوى- اليوم- مُفْتونَ تَجُرُّ حروفُ الجرِّ الجبالَ في اللغة الفصيحة، ولكنّها تعجَز عن جَرِّ ريشةٍ في لغتِهم "الفضيحة"؟

من تعلَّمَ العربيةَ سَهُل عليه تعلّمُ غيرِها

لماذا لا يعالجُ هؤلاء- المرزوؤون في لغتهم- قُصورَهم، ولماذا لا يُقوّمون نُطْقَهم، فيسلموا من كلام لا يزيد صاحبه إلاّ نقصاً؟ وماذا عليهم  لو دقّوا على صدورِهم، وقالوا للألسنتهم: لا لحْنَ بعد اليوم، بل فصاحةٌ وبلاغةٌ، ثمّ شرعوا في إعادة تعلّم لغتهم الأمِّ، وأخذوا بتدريب ألسنتهم على صحيحها وفصيحها؛ "فإنما اللسان عضوٌ إذا مرَّنتَه، مَرن، وإذا أهملتَه خارَ، كاليدِ التي تُخَشِّنُها بالممارسَةِ، والبدنِ الذي تُقوّيهِ برفعِ الحجرِ وما أشبه، والرِّجْلِ إذا عودتها المشيَ مشت"، وقد قيلَ مَن عُرِف بفصاحةِ اللسانِ لَحَظَتهُ العيونُ بالوَقار، وصدق الشاعر حين قال:

لسانُ الفَتى نِصفٌ ونِصفٌ فؤادُهُ .... ولم يبقَ إلاّ صورةُ اللحمِ والدمِ

وقد يعتقد البعضً- كما ذكرتُ في مقالِ سابق- أنّ اللغة هي مجرّد قشرة وشكل ومظهر، وهذا خطأٌ بيّنٌ؛ فاللغةُ- بالإضافة إلى ذلك- هي لبٌّ ومضمونٌ وجوهر، وهي تصوغ شخصياتنا كما نحن نصوغ مفرداتها، ولم تكن اللغة- أبداً- مجرّدَ وعاء لفظي، وإشاراتٍ ورموزٍ للتّواصلِ فحسب، بل هي تفاعلاتٌ حيّةٌ تتبادلها الأفواهُ والقلوب والمشاعر، وتُسطّرها الأقلامُ والنّفوس والوقائع، فتُطرِبُ وتُحزنُ، وتُبكي وتُضْحك، وتُنجي وتُهلك..

ولنقرأْ هذا الحوار الدالَّ على أهمّية علوم اللغة العربيّة أساسا لتعلّم غيرها من العلوم، وخاصة علوم الدين والفقه، هذا الحوار الذي دار بين الفراء وبين محمد بن الحسن- حيث "تذاكر العالمان في الفقه والنحو، ففضَّلَ الفراءُ النَّحوَ على الفقهِ، وفضَّل محمدٌ بن الحسن الفقهَ على النَّحوِ، حتى قالَ الفراءُ: قَلَّ رَجُلٌ أنعمَ النظرَ في العربيةِ، وأَرادَ عِلماً غيرَه، إلاّ سَهُلَ عليه. فقال محمد بن الحسن: يا أبا زكريا، قد أنعمتَ النظرَ في العربية، وأَسألُكَ عن بابٍ من الفقهِ. فقال: هاتِ على بركة الله تعالى، فقال له: ما تقولُ في رَجُلٍ صلّى فَسَها في صلاتِه، وسجدَ سجدتي السهو، فسها فيهما، فتفكّر الفراءُ ساعةً، ثُمّ قال: لا شيءَ عليه. فقال له محمد: لِمَ؟ قال: لأنَّ التصغيرَ عندَنا ليس له تصغير، وإنما سَجْدتا السهو تمامُ الصلاة، وليس للتمام تمام. فقال محمدٌ بن الحسن: ما ظننت أن آدمياً يلد مثلك".

ولنتذكرْ في ختام هذا المقال أنّ الله- سبحانه وتعالى- لمْ يُخاطِبُ رسولَه الكريم عبثاً ولا سدىً، حينَ أَمَرَهُ بالقولِ البليغِ: (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)) [النساء]، وذلك لأنّه مدعاةٌ للتأثير في النّفوس وتغييرها. وهل يمكن أَنْ يتحقّقَ القولُ البليغُ- يا بعضَ مُعلّمينا وخطبائنا- بكلامٍ هو أقربُ إلى الهذر والهَذَيان، مِنهُ إلى الفصاحةِ والبيان؟ أَلَا فلنعتبرْ ونعتدلْ، أو لِنعتزلْ ونعتذرْ.

************************************************************** العودة للصفحة الرئيسية